الشيخ محمد علي طه الدرة
55
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والمكر ، والخداع ، لذا يصح القول : إنّ من البشر شياطين بثياب البشر ، قال تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 112 ] : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . . . إلخ . قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ : أي : في الدّين ، والاعتقاد ، خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ، والشياطين بالجملة الاسمية المؤكّدة ب ( إنّ ) لأنهم قصدوا بالأول دعوى إحداث الإيمان ، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه من الفساد ، والضلال . إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ : أي بهؤلاء الذين تبعوا محمدا ، وصدقوه ، ويصدّقونه بكلّ ما يقوله لهم ، ويأمرهم به . تنبيه : قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن أبيّ ، وأصحابه ، وذلك لأنّهم خرجوا ذات يوم ، فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال عبد اللّه بن أبيّ لأصحابه : انظروا كيف أردّ هؤلاء السّفهاء عنكم ! فأخذ بيد أبي بكر - رضي اللّه عنه - فقال : مرحبا بالصديق ، سيد بني تميم ، وشيخ الإسلام ، وثاني رسول اللّه في الغار ، الباذل نفسه ، وماله لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ! ثم أخذ بيد عمر - رضي اللّه عنه - فقال : مرحبا بسيد بني عدي ابن كعب ، الفاروق القوي في دين اللّه ، الباذل نفسه وماله لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ! ثم أخذ بيد عليّ - رضي اللّه عنه - فقال : مرحبا بابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وختنه ، وسيد بني هاشم ، ما خلا رسول اللّه ! فقال له عليّ - كرّم اللّه وجهه - : اتق اللّه يا عبد اللّه ، ولا تنافق ، فإن المنافقين شرّ خليقة اللّه تعالى ! فقال : مهلا يا أبا الحسن ! إني لا أقول هذا نفاقا ، واللّه إن إيماننا كإيمانكم ، وتصديقنا كتصديقكم ! ثم تفرقوا ، فقال عبد اللّه لأصحابه : كيف رأيتموني فعلت ، فأثنوا عليه خيرا . انتهى . خازن . أقول وباللّه التوفيق : في زمننا هذا كثير من الناس يهزؤون بالإسلام ، وبتعاليمه ، وبالمسلمين الصّادقين ، ولا يقيمون للّه فرضا ، ولرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سنّة ، ثم يدّعون الإسلام ، والإيمان ، ويقولون لمن ينتقدهم : أنتم لستم أحسن منّا ، نحن مسلمون مثلكم ، وإسلامنا مثل إسلامكم . الإعراب : ( إِذا ) : انظر الآية رقم [ 11 ] ، هذا و ( إِذا ) : ظرف لما يستقبل من الزمان ، وفيه معنى الشرط ، واختلف في ناصبها ، بالجواب ، واعترض بأنّ الجواب قد يقترن بالفاء ، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها ، وقيل : بالشرط ، واعترض أيضا بأنها مضافة للشرط ، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف ، وأجيب عن هذا الاعتراض بأن القائلين : إنّ الناصب هو الشّرط ، لا يقولون بإضافة « إِذا » إليه ، فلذا كان الثاني أرجح من الأول ، وإن كان الأول أشهر ، فقول المعربين : خافض لشرطه ، منصوب بجوابه ، جرى على غير الرّاجح ، ولذا كانت عبارة سيبويه محتملة لما تريد من احتمالات . لَقُوا : فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة ، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل ، والألف للتفريق ، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة ، والإعراب